ابن فرحون
28
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
تنبيه حكى لي الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة جمال الدين محمد بن أحمد المطري أنه كان بالمدينة الشريفة رجل صالح عظيم القدر من أرباب القلوب يقال له : الزجّاج ، وكان شيخا لجمال الدين وللشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن ، وكانا بعد موت والديهما مؤذنين متآخيين في رئاسة الأذان ، يتعاقبون في الوقت ، قال لي : فكنا نجيء إلى باب المسجد في السّحر للدخول لأجل الأذان ، فنجد الشيخ قاعدا على الباب في ذكر وقراءة ، قال فأدق الباب ، فيقول لي صاحب النوبة : من هذا ؟ فأقول له : محمد ؛ فيفتح لي ، ثم يجيء صاحبي فيفعل معه مثل ذلك . ثم كذلك لثالثنا وكان اسمه عبد الرحمن ، من قرابة الشيخ محمد بن صالح نائب الإمامة والخطابة . قال : فخلا الشيخ بي وقال لي : يا محمد ، أنت تتصور ما أنا وأنت فيه كل ليلة ؟ فقلت له : لا علم لي ، فقال لي : صدقت ، لو علمت لظهر عليك أثره ، ثم قال لي : أحضر عقلك وانظر إلي كيف أبقى بعدك محجوبا عن الدخول ، وأنت مأذون لك دوني ، فتدخل وتجتمع بمحبوبك وتخلو به وتتلذذ بمناجاته ، وأنا مطرود وراء الباب مبعود ، يا بني هذا حال الآخرة ، لا يفعل بك مثل ما هو اليوم يفعل بي ، قال : فوجدت بذلك موعظة عظيمة كنت عنها غافلا . فانظر إلى هذا الشيخ كيف نبه على هذا الكيف ، وحال من انتمى إلى هذا المحل يجري هذا المجرى أليس هو صلى اللّه عليه وسلم يسمع من يسلم عليه ؟ فإذا وقف أحدنا بين يديه كوقوف المملوك بين يدي المالك ، وقد خالفه في أمره له ونهيه ، وارتكب من الأخلاق السيئة ما لا يرضى به ، أليس جديرا بأن